النووي

16

التبيان في آداب حملة القرآن

وقد ذكر ابن العطّار « سيرته » في كراريس ، وحكى عنه أنه كان يقرأ كل يوم اثني عشر درسا على مشايخه شرحا وتصحيحا : درسين في « الوسيط » ودرسا في « المهذّب » ، ودرسا في « الجمع بين الصّحيحين » ، ودرسا في « صحيح مسلم » ، ودرسا في « اللّمع » لابن جني ، ودرسا في « إصلاح المنطق » ، ودرسا في التصريف ، ودرسا في أصول الفقه ، ودرسا في أسماء الرجال ، ودرسا في أصول الدين . قال : وكنت أعلّق جميع ما يتعلّق بها من شرح مشكل ، ووضوح عبارة ، وضبط لغة ، وبارك اللّه لي في وقتي ، وخطر لي أن أشتغل بالطّب ، واشتريت كتاب « القانون » فأظلم قلبي ، وبقيت أياما لا أقدر على الاشتغال ، فأفقت على نفسي ، وبعت « القانون » فأنار قلبي . قال ابن العطار : وكان يمتنع من أكل الفواكه والخيار ، ويقول : أخاف أن يرطّب جسمي ، ويجلب النّوم . وكان يأكل في اليوم والليلة أكلة ، ويشرب شربة واحدة عند السّحر ، وكلّمته في الفاكهة فقال : دمشق كثيرة الأوقاف ، وأملاك من تحت الحجر والتصرف لهم لا يجوز إلا على وجه الغبطة لهم ، ثم المعاملة فيها على وجه المساقاة ، وفيها خلاف ، فكيف تطيب نفسي بأكل ذلك ؟ وقال ابن فرح : الشيخ محيي الدّين قد صار إلى ثلاث مراتب ، كلّ مرتبة منها لو كانت لشخص ، لشدّت إليه الرّحال : العلم ، والزّهد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وقال الشيخ شمس الدين بن الفخر الحنبلي : كان إماما بارعا ، حافظا ، مفتيا ، أتقن علوما شتى ، وصنّف التصانيف الجمّة ، وكان شديد الورع والزّهد ، تاركا لجميع ملاذّ الدنيا من المأكول إلا ما يأتيه به أبوه من كعك وتين ، وكان يلبس الثّياب الرّثّة المرقّعة ، ولا يدخل حمّاما ، وترك الفواكه